أبي منصور الماتريدي
587
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
عادٍ : متعد ومتجاوز اضطراره ، ولا يحتمل ما قاله بعض الناس : غير باغ على الناس ولا متعد عليهم ؛ لوجهين : أحدهما : أنه لا يحتمل البغي على الناس في حال الاضطرار ؛ لأنه لا يقدر عليه والحال ما ذكر . والثاني : أنه - وإن كان باغيا على ما ذكروا - لم يبح له التناول من الميتة ؛ يكون باغيا على نفسه ؛ لأنه إن لم يتناول هلكت نفسه ؛ فيصير باغيا على نفسه فدلّ أنّه على ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجلّ - : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ يحتمل : أي : لا تعودوا إلى ما وصفت ألسنتكم من الكذب هذا حلال وهذا حرام ، وألا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم : هذا حلال وهذا حرام . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : لا تقولوا لما أحللتموه : هذا حلال ، ولما حرمتموه : هذا حرام ، وهو كقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ . . . الآية [ يونس : 59 ] . وفي هذه الآية دلالة ألا يسع « 1 » لأحد أن يقول : هذا مما أحله الله وهذا مما حرمه الله ؛ إلا بإذن من الله ، ومن يقول بأن الأشياء في الأصل على الإباحة أو على الحظر ؛ فهو مفتر بذلك على الله الكذب ؛ لأن الله لم يأذن له أن يقول ذلك ؛ بل نهاه عن ذلك مما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - : لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ . أي : تكونوا مفترين على الله الكذب إذا قلتم ذا . فإن قيل : كيف سماهم مفترين على الله بتسميتهم الحرام حلالا ، والحلال - حراما ؟ قيل : لأن التحليل والتحريم ، والأمر والنهي - ربوبية ، فإذا حرموا شيئا أحله الله ، أو أحلوا شيئا حرّمه الله - فكأنهم على الله افتروا أنه حرم أو أحل ، أو حرموا هم وأحلوا فأضافوا ذلك إلى الله - تعالى - أنه هو الذي حرم أو أحل فقد افتروا على الله ؛ لأن من أحلّ شيئا حرمه الله ، أو حرم شيئا أحلّه الله - فقد كفر وليس من انتفع بالمحرم ، أو ترك الانتفاع بالمحلل - كفر ؛ إنما يصير آثما مجرما ، وكذلك تارك الأمر ومرتكب النهي . وقوله - عزّ وجلّ - : إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ .
--> ( 1 ) في أ : يسمح .